عماد الدين خليل
27
المستشرقون والسيرة النبوية
واليهود « 1 » ، ولعله يريد أن يوحي بذلك أن اليهود لا يمكن أن يخدعوا ! ليس الشكّ والنفي الاعتباطيّ وحدهما ، ولكنه الاعتماد على الروايات الضعيفة الشاذّة التي قد لا تصمد أمام النقد : « لقد أخذ المستشرقون - كما يقول الدكتور جواد علي - بالخبر الضعيف في بعض الأحيان وحكموا بموجبه ، واستعانوا بالشاذ والغريب وقدموه على المعروف المشهور . استعانوا بالشاذ ولو كان متأخّرا ، أو كان من النوع الذي استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه ، تعمدوا ذلك لأن هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشكّ » « 2 » . ثانيا : إسقاط الرؤية الوضعية ، العلمانيّة ، والتأثيرات البيئيّة المعاصرة على الوقائع التاريخيّة : إنه من المتعذّر بل من المستحيل ، كما يؤكّد آتيين دينييه « أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة . وأنهم - لذلك - قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغا يخشى على صورتها الحقيقية من شدّة التحريف فيها ، وبرغم ما يزعمون من اتّباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد ؛ فإننا نجد - من خلال كتاباتهم - محمدا يتحدّث بلهجة ألمانيّة إذا كان المؤلف ألمانيا ، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطاليا . . وهكذا تتغير صورة محمد بتغير جنسية الكاتب ! وإذا بحثنا في هذه السيرة عن الصورة الصحيحة فإننا لا نكاد نجد لها من أثر . إن المستشرقين يقدمون لنا صورا خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة ، إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال ( وولتر سكوت ) و ( إسكندر ديماس ) ، وذلك أن هؤلاء يصوّرون أشخاصا من أبناء قومهم ، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة ، أمّا المستشرقون
--> ( 1 ) تاريخ اليهود في بلاد العرب ، ص 145 - 146 . ( 2 ) تاريخ العرب في الإسلام : 1 / 8 - 11 .